محمد غازي عرابي
844
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 46 إلى 48 ] قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( 46 ) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 47 ) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 48 ) [ سبأ : 46 ، 48 ] المثنى تردد القلب بين الفجور والتقوى ، وفرادى الرجوع إلى الوتر بعد الشفع ، وهو وضع سنفصل الكلام فيه في سورة ياسين . ورميه صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنون جنون ، إذ أنه عليه السّلام مظهر نوره ، ونوره العقل الذي عرف في الحديث بأنه أول ما خلق اللّه ، فبين النبي والجنون سور لا يخرق ، ولئن تعرض دماغه لآفة ، كما يقع لبعض الناس إثر الحوادث ، فإن نوره الباطني يرتق هذا الفتق ، وهذا حال يستحيل تصوره ، علما أنه ممكن عند الأنبياء . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 49 إلى 50 ] قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ( 49 ) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ( 50 ) [ سبأ : 49 ، 50 ] الحق القرآن ، والحق الحقيقة ، والباطل ، إن عد باطلا ، وهو الوجه الآخر للحق ، فإنه يتلاشى ويفسح المجال للحق ليحل محله ، ومنذا الذي يقبل الباطل في هذا العالم ؟ حتى الطغاة من الكفار والعتاة يرفعون شعارات الحق إذا ما أرادوا استمالة الناس فالحق محقوق ، والباطل زهوق . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 51 إلى 54 ] وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 51 ) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 52 ) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ( 54 ) [ سبأ : 51 ، 54 ] الموت يضع حدا للعب النفس الجزئية على مسرح الوجود ، ووصف سبحانه الدنيا بأنها لهو ولعب ، وعلة ذلك أن النفس الجزئية ممثلة الاسم والصفة ، فتمثيلها إذن لعب ، ومتى انتهى دورها رحلت ، ولكن الغافلين لا يعلمون ، يعلمون من ظهور النفس ما يعلمون ، وهم عن الحقيقة غافلون .